عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

394

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : إنّ اللّه جعل للملك عليها أمارة ، فهو لا يكتبها . قال القرطبيّ « 1 » : وهذا حسن . والثاني : أن يأتوا بها على وجه يوجب الثّواب ، ثمّ يتبعوها بالمنّ والأذى ، فيزيلوا ثوابها ، وضرب لذلك مثلين : أحدهما : يطابق الأوّل وهو قوله « كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ » ، إذ من المعلوم [ أنّ المراد من كونه عمل ] هذا باطلا أنّه دخل في الوجود باطلا ، لا أنّه دخل صحيحا ، ثم يزول ؛ لأنّ الكفر مقارن له فيمتنع دخوله صحيحا في الوجود . والمثال الثاني : وهو الصّفوان الّذي وقع عليه تراب ، ثمّ أصابه وابل فهذا يشهد لتأويل المعتزلة ؛ لأنّه جعل الوابل مزيلا لذلك التّراب بعد وقوع التّراب على الصّفوان ، فكذا هاهنا : يجب أن يكون المنّ والأذى مزيلين للأجر والثّواب بعد حصول استحقاق الأجر . ويمكن أن يجاب عنه : بأنّا لا نسلّم أنّ المشبه بوقوع التّراب على الصّفوان حصول الأجر للكافر ؛ بل المشبّه بذلك صدور هذا العمل الّذي لولا كونه مقرونا بالنّيّة الفاسدة ، لكان موجبا لحصول الأجر والثواب ؛ لأنّ التّراب إذا وقع على الصّفوان ، لم يكن ملتصقا به ، ولا غائصا فيه ألبتّة ، بل يكون ذلك الاتّصال كالانفصال ، فهو في مرأى العين متّصل ، وفي الحقيقة منفصل ، فكذا الإنفاق المقرون بالمنّ والأذى ، يرى في الظّاهر أنّه عمل من أعمال البرّ ، وفي الحقيقة ليس كذلك ، فظهر أنّ استدلالهم بهذه ضعيف . فصل [ في قوله تعالي « لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ » ] قال ابن عبّاس قوله « لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ » على اللّه بسبب صدقتكم ، وبالأذى لذلك السّائل « 2 » . وقال الباقون : بالمنّ على الفقير وبالأذى للفقير « 3 » « كالذي ينفق ماله رئاء النّاس » ؛ لأنّ المنافق ، والمرائي يأتيان بالصّدقة لا لوجه اللّه - تعالى - ومن يقرن الصّدقة بالمنّ والأذى ، فقد أتى بتلك الصّدقة لا لوجه اللّه - تعالى - أيضا ، إذ لو كان غرضه من تلك الصّدقة طلب مرضاة اللّه تعالى لما منّ على الفقير ، ولا آذاه ، فثبت اشتراك الصّورتين في كون الصّدقة لم يأت بها لوجه اللّه - تعالى - وتقدّم الكلام على الإلقاء .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 202 . ( 2 ) انظر : تفسير الرازي ( 7 / 47 ) وتفسير « البحر المحيط » لأبي حيان ( 2 / 231 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 47 .